الزرقاء.. مدينة "النهر العظيم" العطشى !!

رشاد ابو داوود

رشاد ابو داود

عن الزرقاء اتحدث، المدينة التي كانت في سن الصبا عندما كنا اطفالا . كبرنا معها وحين كبرنا غادرناها بينما ظلت هي تكبر حتى اصبحنا بالكاد نعرفها وتعرفنا. لها في التاريخ القديم مكان يعود الى الالف الرابع قبل الميلاد . اطلق عليها الاكاديون وهم عرب ساميون اسم نهرها الذي سمّوه «النهر العظيم» أو «نهر التماسيح»، فأخذت هذا الاسم الذي ورد في قصائد اهم شعراء عصورهم ومنهم ابو الطيب المتنبي . وفي وصفها قال الشاعر عماد الدين الاصفهاني في وداع القائد صلاح الدين الايوبي : ولم أنسَ بالزرقاء يومَ وداعنا أنامل تدمي حيرةً للتندم اعدتك يا زرقاء حمراء أنني بكيتك حتى شيب ماؤك بالدم هاجرت اليها الأمم والشعوب كالأكاديين والأشوريين والفرس واليونايين والرومان والعرب والمسلمين. كانت مدينة الماء و الخضرة حتى الستينيات وللاسف اصبحت بسبب اهمالنا لها مدينة «الضباع» والعطش و الجياع ! في تاريخها الحديث ولدت المدينة من طيف بهيج ,تعددية تلقائية و ديمقراطية بالتكوين، وحدوية حتى الرفقة والنسب والدم .هي مدينة العسكر واللاجئين والقادمين من كافة المدن والقرى والارياف، ومن العرب الذين ضاقت بهم مدنهم.

نحن -ابناءها- نتذكرها بحنان وحنين .وفيما نرى مشروع «الباص السريع « جثة هامدة نتذكر باص ابو الياس الذي كان يختصر السرعة بحكمة التأني . و»ان اردت ان تصل سريعاً..تمهل .ليس مهما ان تصل بل كيف تصل «. حكمة كان يختصرها ابو الياس بعبارة « في العجلة الندامة و في التأني السلامة « مكتوبة بخط عربي جميل على ورق ابيض مؤطر برسومات على الحواف . ولم نعلم حتى الآن كيف علًق ذاك البرواز في مقدمة الباص المصنوع من حديد و زجاج فيما البرواز من خشب . لكن في تلك الايام كان كل شيء ممكنا و « بيتدبًر « بالمحبة بالطيبة بالاخلاق بالقناعة وباشياء اخرى لم نعد لشدة نكراننا لها واغترابنا عنها نذكرها ! يربط الزرقاء بعمان صلة قرابة، وجه شبه، وشارع نحيل يمر عبر عوجان و الرصيفة وماركا و المحطة . ثلاثة باصات فقط تعمل على الخط ما ان يغادرها الاول حتى يصل الثاني بينما الثالث يكون على الطريق . احدها كان باص ابو الياس . هكذا كانت تسمى الباصات باسماء سائقيها لا مالكيها . موقف الباصات كان على الرصيف امام صيدلية الشعب علما ان الشعب لم يكن يعاني سوى من أمراض معدودة تحتاج الى طبيب وصيدلية، ثمة اطباء على عدد اصابع اليد وصيدليات اكثر بقليل ومستشفيان هما مستشفى الحاووز الي بُني ليكون بعيدا عن المدينة في الستينيات ليصبح اللآن في حضنها والمستشفى العسكري على طرفها الشرقي . الميرمية والجعدة و اليانسون والبابونج وغيرها كانت علاجا لكل الامراض من المغص الى وجع الاسنان .

ابو الياس كان معتدا بنفسه . يتحدث كزعيم، يقود الباص كجنرال، ولا يتحرك الا اذا امتلأ الباص بالركاب حتى آخره . فبقاء مقعد فارغ يعني خسارة ابو الياس ثلاثة قروش و نصف القرش هي ثمن البوليت « التذكرة « التي اعتقد ان اسمها اصله تيكيت بالانجليزية . ما ان تبدأ الرحلة الى العاصمة حتى يقف الكنترول كقباض الارواح و ينادي بصوت مهيب، تذاكر.. تذاكر، بوليتات لمن ثقافته انجليزية، كأبي الياس الذي كان يتقن الالمانية ايضا لكن الحظ لم يحالفه فقد سقطت فلسطين في نفس السنة التي كان يفترض ان يصبح فيها قبطان سفينة لكنهم سرقوا البحر ايضاً .

المقود كان حجمه اصغر قليلا من اطار الباص ولأن ابا الياس كان قصيرا كان يضطر الى مد يديه حتي يكاد يحضن المقود وما ان يصل الرصيفة حتي يتعب فيوقف الباص يمينا يلف سيجارة دخان عربي و يطلب من الركاب ان يقضي من به حاجة حاجته حتى يدخن هو سيجارته .لا احد يتذمر فكلمات الجنرال اوامر ثم ليس هناك من هو في عجلة من امره. فمن له عمل في عمان كان يبقى مستيقظا بعد الصلاة حتى لا يفوته الباص .

كم نحِنّ الآن لطيبة الناس ايام زمان . وكم تحتاج الزرقاء لقطرة ماء من نهرها الذي كان عظيماً !!
[justify][/justify]шаблоны для dle 11.2

إضافة تعليق

  • bowtiesmilelaughingblushsmileyrelaxedsmirk
    heart_eyeskissing_heartkissing_closed_eyesflushedrelievedsatisfiedgrin
    winkstuck_out_tongue_winking_eyestuck_out_tongue_closed_eyesgrinningkissingstuck_out_tonguesleeping
    worriedfrowninganguishedopen_mouthgrimacingconfusedhushed
    expressionlessunamusedsweat_smilesweatdisappointed_relievedwearypensive
    disappointedconfoundedfearfulcold_sweatperseverecrysob
    joyastonishedscreamtired_faceangryragetriumph
    sleepyyummasksunglassesdizzy_faceimpsmiling_imp
    neutral_faceno_mouthinnocent
تحديث الصورة

Наверх